ابن عجيبة

424

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولما ذكر من كمل صفاؤه من السابقين ، ومن كمل خوضه من المنافقين ، ذكر من جمع بين الصفاء والخوض ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 102 ] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) يقول الحق جل جلاله : وَ قوم آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ؛ وهو التخلف عن الجهاد ، ولم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الكاذبة ، وهم طائفة من المتخلفين لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد ، وقالوا : لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل المسجد ، فصلى فيه ركعتين ، على عادته ، فرآهم وسأل عنهم ، فذكر له سببهم ، فنزلت الآية فأطلقهم « 1 » . خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً بعمل سيىء وَآخَرَ سَيِّئاً بعمل صالح ، خلطوا العمل الصالح الذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب ، بآخر سيىء وهو التخلف وموافقة أهل النفاق ، أو خلطوا عملا صالحا ، وهو ما سبق لهم من الجهاد مع الرسول ، وغيره من الأعمال ، بآخر سيىء ، وهو تخلفهم عن تبوك . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي : يقبل توبتهم المدلول عليها بقوله : اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ، والرجاء في حقه تعالى واجب . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يتجاوز عن التائب ويتفضل عليهم . قال بعضهم : ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية . وقال القشيري : قوله : وَآخَرَ سَيِّئاً بعد قوله : عَمَلًا صالِحاً ، دليل على أن الزّلّة لا تحبط ثواب الطاعة ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العمل صالحا ، وهو كذلك . انتهى . قلت : وما ذكره من عدم الإحباط هو مذهب أهل السنة ، خلافا للمعتزلة ، ولا يعارضه حديث مسلم : « أنّ رجلا قال : واللّه لا يغفر اللّه لفلان ، وإنّ اللّه قال : من الذي يتألّى « 2 » علىّ ألّا أغفر لفلان ، وإنّى غفرت له وأحبطت عملك » « 3 » أو كما قال ؛ لأن هذا الرجل كان من بني إسرائيل ، ولعل شرعهم مخالف لشرعنا ؛ لأن هذه الأمة المحمدية قد وضع اللّه عنها أثقال بني إسرائيل ، فهي ملة سمحة ، ولعل هذا الرجل أيضا كان قانطا من رحمة اللّه ومكذبا بها ، فهو كافر . انظر الحاشية الفاسية . الإشارة : الناس ثلاثة : سابقون ومخلطون ومنهمكون . فالسابقون فائزون ، والمخلطون راجون ، والمنهمكون هالكون ، إلا من تاب وعمل صالحا ، فالسابقون هم الذين غلب إحسانهم على إساءتهم ، وصفاؤهم على كدرهم ، إن هفوا رجعوا قريبا ، فقد تمر عليهم السنين الطويلة ولا يكتب عليهم ملك الشمال شيئا ؛ وذلك ليقظتهم ، لا لعصمتهم ،

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل ( باب حديث أبي لبابة وأصحابه 5 / 572 ) وابن جرير في التفسير ( 11 / 10 ) عن ابن عباس - رضى اللّه عنه . ( 2 ) يتألى : يحلف . والألية : اليمين . . انظر النهاية ( إلى 1 / 62 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم في ( البر والصلة ، باب النهى عن تقنيط الإنسان من رحمة اللّه ) من حديث جندب - رضى اللّه عنه .